الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
393
مختصر الامثل
والتفاوت أسرار خفية عنكم غير ظاهرة لكم . على أنّه يجب أن لا نتصور خطأ أنّ الآية الحاضرة تشير إلى التفاوت المصطنع الذي برز نتيجة الاستعمار والاستغلال الطبقي . ولذا عقّب اللَّه سبحانه على الجملة السابقة بقوله : « لِّلرّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ » . أي : لكل من الرجال والنساء نصيب من سعيه وجهده ومكانته سواء كانت مكانة طبيعية ( كالتفاوت والفرق بين جنسي الرجل والمرأة ) أو غير طبيعية ناشئة عن التفاوت بسبب الجهود الاختيارية . ثم يقول : « وَاسْئَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ » . أي : بدل أن تتمنّوا هذا التفضيل والتفاوت اطلبوا من فضل اللَّه واسألوا من لطفه وكرمه أن يتفضل عليكم من نعمه المتنوعة وتوفيقاته ومثوباته الطيبة لتكونوا - بنتيجة ذلك - سعداء رجالًا ونساء ، ومن أي عنصر كنتم ، وعلى كل حال اطلبوا واسألوا ما هو خيركم وسعادتكم واقعاً . « إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمًا » . أي : يعلم ما يحتاج إليه نظام المجتمع وما يلزمه من الفروق سواء من الناحية الطبيعية أو الحقوقية ، ولهذا لا وجود للظلم والحيف ولا لأيشيء من التفاوت الظالم والتمييز غير العادل في أفعاله ، كما أنّه تعالى خبير بما في بواطن الناس من الأسرار والخفايا والنوايا ويعلم من الذي يتمنّى الأماني الخاطئة في قلبه ، ومن يتمنّى الأماني الإيجابية الصحيحة البنّاءة . وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ( 33 ) يعود القرآن مرّة أخرى إلى مسألة الإرث إذ يقول : « وَلِكُلّ جَعَلنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ » « 1 » . أي : لكل رجل أو امرأة جعلنا ورثة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون الذي يجب أن يقسّم بينهم طبق برنامج خاص . ثم إنّ اللَّه تعالى يضيف قائلًا : « وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » . أي ادفعوا إلى الذين عقدتم معهم عقداً نصيبهم من الإرث .
--> ( 1 ) « الموالي » : جمع مولى ، وهي في الأصل من مادة الولاية بمعنى الإتّصال والارتباط ، وتطلق على جميعالأفراد الذين يرتبط بعضهم ببعض بنوع من الارتباط ، غاية ما هناك أنّها تكون في بعض الموارد بمعنى ارتباط الولي مع أتباعه ، وأمّا في الآية الحاضرة فتكون بمعنى الورثة .